الأمير الحسين بن بدر الدين
140
ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة
وكم لسواد الليل عندي من يد * تخبّر أن المانوية تكذب « 1 » وكذلك فقد تكون الظّلمة سببا لوقوعه أو وقوع غيره في الآبار والنّيار « 2 » ونحو ذلك من المضارّ ، فقد وقع الخير والشرّ من النور جميعا ، ووقعا من الظلمة جميعا . فبطل قولهم . وأما قول المجوس فظاهر البطلان ؛ لأنّ الشيطان متى كان جسما استحال قدمه لما بيّنّا أنّ الأجسام محدثة ، ومتى كان محدثا فلا بدّ له من محدث ؛ لما قدّمنا من حاجة كلّ محدث إلى محدث ، ولو لم يحتج إلى محدث لكان العالم لا يحتاج إلى محدث ، ولكانت الشرور المحدثة لا تحتاج إلى محدث ، وفي ذلك الاستغناء عن الشيطان . وإذا قالوا : بأن محدثه هو اللّه تعالى ، لم يخل إمّا أن يقرّوا بعدله وحكمته أم لا ؛ فإن أقرّوا بعدله وحكمته فليس من الحكمة أن يخلق ما يغالبه ، وإن لم يكن حكيما جاز أن تضاف إليه هذه الشرور لخروجه عن حدّ الحكمة ، وفي ذلك الاستغناء عن الشيطان . وأما قول النصارى : إنه تعالى جوهر واحد على الحقيقة وثلاثة أقانيم على الحقيقة فهو فاسد غير معقول أصلا ؛ فإنّ ما يكون واحدا لا يكون ثلاثة ، وما يكون ثلاثة لا يكون واحدا ، بل ذلك فاسد في العقول ، ويكفي في فساده وإبطاله كونه غير معقول ؛ فإنّ ما لا يكون معقولا لا يمكن اعتقاده ، وهذا لا يمكن اعتقاده ، ولا يصح جعله مذهبا « 3 » ؛ وذلك لأنّ ما يصح جعله مذهبا هو ما يمكن اعتقاده ، ويمكن اشتراك العقلاء فيه ، ويصحّ اعتقاد خلافه . فأمّا ما لا يكون كذلك فلا يصح كونه مذهبا ، ولا يمكن إيراد الدلالة عليه ، فاتضح
--> ( 1 ) ديوان المتنبي 466 : وكم لظلام الليل . . . ( 2 ) النيار : كأنها جمع نار ، وفي ( ب ) : والتبار ، وهو الهلاك كما ذكره في الهامش . ( 3 ) في ( ب ) : مذهبا لهم .